محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
234
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ « 1 » أي الناقصون أنفسهم حظوظها بكفرهم ؛ فخسروا نعيم الجنّة بأن حرّموها أنفسهم وخسروا حسناتهم ؛ فأحبطها اللّه بكفرهم ؛ والخسران في التجارة هو ذهاب رأس المال أو نقصانه ، ثمّ قيل لكلّ صائر إلى مكروه خاسر لنقصان حظّه من الخير ؛ والقوم نقصوا بكفرهم راحة أنفسهم التي كانت لهم لو آمنوا ؛ فاستحقّوا العقوبة وفاتتهم المثوبة . قال ابن عبّاس : « 2 » بهذا الدين خسروا أنفسهم وصاروا إلى النار . قال الكلبي : يعني المغبونين في العقوبة ؛ وذلك أنّه ليس مؤمن ولا كافر إلّا وله أهل ومنزل وخدم ونعم في الجنّة ، فإن أطاع اللّه أتى منزله وأهله وخدمه في الجنّة ؛ فذلك قوله : أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ؛ وقال في صفة الكافرين : قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ . قال مجاهد : فالمؤمن يبني بيتا في الجنّة ويهدم بيته في النار ، والكافر على الضدّ ؛ وقال بعضهم : الخاسرون الهالكون فما تزيدننى غير تخسير أي الهلاك ؛ وقال : سمّي الكافر خاسرا لأنّ أعماله لا تعود عليه بنفع . قال اللّه تعالى : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ . الأسرار قال الموفون بعهد اللّه : إنّ اللّه تعالى ذكر الفاسقين ثمّ عرف أحوالهم وحصرها في ثلاث خصال : نقض عهد اللّه من بعد ميثاقه ، وقطع ما أمر اللّه به أن يوصل ، والفساد في الأرض . فبدأ اسمهم في الدنيا بالفاسقين وختم اسمهم في الآخرة بالخاسرين . أمّا الخصلة الأولى فنقض عهد اللّه ، وهو كلّ عهد استوثقه اللّه تعالى في كتابه ، وفيه عموم وخصوص . العهد الأوّل قوله تعالى : أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ . فعهد اللّه هاهنا نفي عبادة الشيطان بالإشراك به ، والنهي عنها ، والتبرؤ منه وإثبات عبادة الرحمن بالتوحيد له والإخلاص في توحيده ، والتبرّي من الإلحاد والشكّ في أمره .
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : اللغة . ( 2 ) . في الهامش عنوان : التفسير .